منتدى رابطة أدباء الضاد
مرحبا بزوار المنتدى الأعزاء.
إن كنتم أعضاء بالمنتدى فيمكنكم الدخول و إن كنتم زوارا فيمكنكم أن تصيروا أعضاء نشطين بالمنتدى فقط بالتسجيل.
مرحبا بالجميع.

حياة بالتقطير ح31 (طارق سليماني)

اذهب الى الأسفل

حياة بالتقطير ح31 (طارق سليماني)

مُساهمة من طرف رشيد بوكراع في الأربعاء سبتمبر 12, 2018 9:25 pm

#حياة بالتقطير
الحلقة 31
أقلعت طائرة فتيحة يوم 16فيفري 2007 على العاشرة صباحا،هنا بدأت هذه الفتاة تكتشف عالما آخرا غير عين البيضاء غير الجزائر العاصمة فوجوه الركاب اكثر بياضا و بشرتهم عالية التفتح لا مجال هنا لاحرف عربية فكل التخاطبات بلغة فولتير كل هذا ما رأته فتيحة حين انشغلت تمسح باعينها وجوه المسافرين و سحنتهم واستقر بها النظر على المرأة التي كانت جالسة بجنبها لقد كانت منهمكة في مطالعة كتاب على الأرجح أنه كان رواية لياسمينة خضراء ،يا سادتي أن فتيحة امرأة ولن تجد امرأة تصبر على الصمت فاقحمت نفسها مع هذه المرأة الخمسينية و بلباقة ملحوظة : عذرا سيدتي اهذه روايته الاخيرة ؟؟ السيدة : عفوا ؟ لا انها ماقبل الأخيرة l'attentat وهل لديك فكرة عن الرواية الأخيرة ؟ فتيحة : نعم لقد صدرت في اروربا و لم تصدر إلا بعدد قليل و محدود في الجزائر وعنوانها les sirènes de Baghdad تروي احداثا جرت اثناء حرب الخليج وتحديدا في بغداد !! سبحان الله فتيحة تحكي بطلاقة السيدة وكأنها عارفة بخبايا الادب و الرواية الفركفونية وتستمع لما تدليه تلك المرأة وكأنها متذوقة للأدب من الطراز الأول ،هذا العشق هو عدوى إصابتها من وفاء رفيقتها الطبيبة المتربصة التي غرست فيها حب هذا الكاتب و قراءة رواياته المشوقة .
فتيحة كانت متحفظة وتخفي مكنوناتها دهشة وخوفا من هذا العالم الجديد عليها ، لكنها انسابت في هذا الحوار المسل هي الفتاة المغمورة التي ستلج الى أوروبا حاملة مرضا و ثائق مستشفى دعوات متناثرة للشفاء من حبيب و قريب وكمشة احلام بسيطة و تقابلها سيدة بدأت التجاعيد تحفر الشيخوخة في وجهها وهي مصرة على تبرج وحداثة غير آبهة بشعرات الشيب التي أتت على خصلاتها ،مرت الساعتين واوضحت الطائرة على الهبوط وسط كتل ضباب كثيف جثم على أجواء مدينة بروكسل و ضواحيها فالشتاء الاوروبي ليس كالذي في الجزائر مما جعل فتيحة تحتاط لذلك وهاهي تنزل بمعطف اسود خشن و انيق مرت على اجراءات شرطة المطار التي كانت سريعة و سلسة ووقفت بعدها تتتظر مع الآخرين في قاعة المطار تتأمل و كلها ذهول في هندسة المكان اناسه لغتهم بشرتهم طريقة مشيتهم لباسهم ….كل من كانوا معها على الأرجح أنهم مرضى مثلها هنا تقدمت بمشيئة وخطوات أشبه بالعسكرية متجهة صوبه و فجأة وقفت يجنبهم و نطقت بالعربية : من جاء إلى مستشفى ERASM ؟ فرفع الجميع الايادي بما فيهم فتيحة ،...اه هذه المرأة هي نادية امرأة أربعينية بهية الطلعة حين تلمحها في الزهرة الاولى تدرك فورا انها قبائلية من بشرتها البيضاء و خضرة احداقها ،نادية تنحدر من قرية ايث ايدير التابعة إداريا الى دائرة بني دوالة عملت في شبابها كشرطية في بني دوالة و بعد مد و جزر مع عائلتها أثرت الهجرة واستقرت في بلجيكا بعد أن افتكت هذا المنصب كمشرفة اجتماعية المرضى القادمين من الجزائر ،بشوشة و مرحة الطبع ، خدومة لابعد الحدود وهذا لا يكون مع الجزائريين الا لامرأة تملك صبر ايوب و قدرا كبيرا من الرصانة متزوجة و لها بنتان سكورة و ديهيا ...المهم قامت نادية بجمع كل المرضى و اخرجتهم نحو الحافلة اين كان بانتظارهم سائقها ناصر شاب جزائري من سواحل ازفون صارم في حديثه مكشر في اللقاء الأول قليل الحديث لكن حين الجلوس بقربه تكتشف موسوعة ثقافية فمن معارك ششناق و ماسينسا الى عشقه لمعطوب الوناس و من دندنته لكلاسيكيات شريف خدام الى ميوله للعزف بالمندول ليلا على تقطيعات و الحان سليمان عازم ،رتب ناصر هذا كل حقائب المرضى ركب الجميع وانطلقوا الى المستشفى واول ما كان حين الركوب أن أخذت نادية منهم جوازات السفر و هي تقول : عذرا لكن هذا الإجراء احترازي كي لا يفر من كانت له نية اللفرار ،انطلقت الحافلة عبر طريق كأنها الحرير في أرضيتها وكل شيء اخضر على جنباتها في منظر طبيعي كأنه لوحة زيتية ، بدأت نادية حينها بإطلاق توصياتها : انتم هنا للعلاج فلا داعي لإثارة المشاكل انا هنا لاخدمكم وأشرف على دخولكم و خروجكم من وإلى المستشفى تعاملكم مع اطباءكم تلبية حاجياتكم فأرجو أن تكونوا في المستوى لاني رأيت قبلكم من لم يكن محترما ابدا فلا تخذلوني والان ارجو منكم ام تسلموني و يبقى الكفالة الاجتماعية .انهمك كل المسافرين بإخراج الوثيقة بينما كان أول من نظرت اليه نادية هي فتيحة ..امعنت النظر فيها و هي تقول : اعطني وثيقتك !!! فردت فتيحة و هي مندهشة : أي وثيقة ؟ نادية : اتمزحين معي ؟ وثيقة الكفالة فبغيرها لن يتم قبولك في المستشفى !! بدأت نبضات فتيحة تتسارع و أحست أن قلبها يكاد ينشق من صدرها ...يا الاهي الم نقل أن المشاكل و العراقيل قد قضي عليها في الجزائر.وحان وقت التسهيل و الهناء ؟ ردت فتيحة و شفتاها ترتجف ردا على نادية التي أخذت تحدق بعين تلمع معين القط : كل وثائقي في الحقيبة ، نادية : توقف يا ناصر !! فعندما مشكلة !! فجأة و تنفيذا لامرها داس ناصر على المكابح و تنحى على جنب الطريق متوقفاا ...بدأ العرق يتصبب على جبين فتيحة و هي تسر النجوى : عن أي وثيقة تتكلم هذه المرأة ؟ نزلت ورافقتها نادية و بدأ ناصر ينزل الحقائب اخرجت فتيحة حقيبتها فتحتها باياد مرتعدة واخرجت ملفها الطبي من الحافظة لكن نادية ردته قائلة : هذه وثائق طبية تحتاجينها مع طبيبك أما أنا لاتكلم عن الكفالة !! فتيحة : اي كفالة يا سيدتي لقد اعطيتك ملفي و فيه موافقة صندوق الضمان الاجتماعي و لجنة التكفل ،نادية : هذا لا يكفي فالمستشفى تطلب الكفالة و هي وثيقة تسلم لك في الجزائر ،تشتت افكار فتيحة وبدأ التوتر يغزو كيانها وهي تقلب في ملابسها وسط الطريق في برد قارس تلك الملابس التي كانت مطوية بالمليمتر وعين نادية تتابعها وفجأة وقعت عينها على حقيبة صغيرة و سوداء فسألت فتيحة : وماذا في هذه الحقيبة الصغيرة ،فتيحة : وثائق زائدة لكن ساتفقدها ،فتحتها و قد بدأ نفسها يتسارع فاخذتها نادية من يدها وهي تقول : تريثي واهداي نحن لسنا في جلسة استنطاق فتيحة : لكن مصيري في هذه الورقة يا سيدتي .
أخذت نادية كمشة الوثائق التي كانت بها و بدات تقلبها واحدة بواحدة و اذا بها تنطق ببسمة عريضة : لقد عثرت عليها انها هذه الوثيقة عليها ختم صندوق الضمان الاجتماعي !!!
هنا احمرت وجنتا فتيحة بعدما اصفر وجهها رعبا أن تعاد الى الجزائر وهنا كذلك تذكرت موقفها مع ادريس وكيف كانت ستترك هاته الحقيبة اعتقادا منها أن كل وثائقها منتهية الصلاحية بعد موافقة اللجنة ….بعد هذا الموقف المرعب الذي عاشته فتيحة صعد الجميع في الحافلة وارتمت فتيحة في مقعدها واخذت نفسا عميقا ليعوض تقطعات سببها هلع و توتر .
وصل الجميع إلى مستشفى ERASM وأقل ما يقال عن هذا المبنى أنه تحفة معمارية وقد لفه الزجاج من كل الجوانب حتى يخيل لك أنه ماسة موضوعة و سط حدائق ملكية ،فتيحة و كل المرضى اعتترتهم دهشة كبيرة اشراقة اعناقهم و رفعت رؤوسهم والأعيان تقفز من منظر إلى آخر حتى تحس ان اعينك ارهقها منظر سيارات الإسعاف المصطفة بالمليمتر اذهلها منظر الأطباء و الممرضات يتخاطبون بصوت خافت يتنقلون دون جلبة تحسبها مملكة نحل في نشاطهم ،ابهرتهم نظافة المكان بأرضية براقة كأنها المرآة ،ثم التفوا حول ممرضة تحاور نادية لمدة وجيزة بعدها ادخلوا الى بهو كبير فجلسوا ووزع عليهم عصير ووضع صحن من الكعك لمن يريد الاكل ونغمات موسيقى كلاسيكية. بصوت خفييييف تدغدغ اذان الحاضرين و تقتحم جلستهم دون أن يصدوها لعوذبتها و انتعاشهم لسماعها .
ياااااااصحاب العيادات ياااااامدراء المستشفيات ومن يشرفون عليها انثروا حبات الإنسانية قبل أن تروا اصفار الدراهم و الدينار رقوا لحال المرضى ببياض مآزركم قبل أن تكشروا في اوجههم بازدراء و احتقار و تذكروا أن شفاء الأجساد يبدأ براحة النفس واطمئنان السريرة …..يتبع
Tarek Slimani 12/09/2018
avatar
رشيد بوكراع
Admin
Admin

المساهمات : 289
تاريخ التسجيل : 29/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى