منتدى رابطة أدباء الضاد
مرحبا بزوار المنتدى الأعزاء.
إن كنتم أعضاء بالمنتدى فيمكنكم الدخول و إن كنتم زوارا فيمكنكم أن تصيروا أعضاء نشطين بالمنتدى فقط بالتسجيل.
مرحبا بالجميع.

جدتي (فاكية صباحي)

اذهب الى الأسفل

جدتي (فاكية صباحي)

مُساهمة من طرف رشيد بوكراع في الخميس سبتمبر 20, 2018 7:49 pm

جـــــدتي
********
عندما كنتُ صغيرةً كانتْ جدتي تناديني من حين لآخر وتقول لي ما اسمك..؟!
كنت أضحكُ حينها ببلاهةِ الأطفالِ .. !!
ثم أُذكّـرُها باسمي ليأتي اليومُ التالي وتفاجئنُي مجددا وهي تعطر صباحي بعبق ذات السؤال .. !
فأتساءلُ في قرارةِ نفسي :.. كيف لجدّتي أن تنسىَ اِسمي بهذه السُّرعَة..؟!!!
وفي إحدى المراتِ جاءتْ ــــــ رحمها الله ـــــــــ من الخارج إلى أمي رأسا مبادرة إياها بسؤالها الغريب :..بُنيتي الحبيبة رحم اللهُ والديكِ ..ما اسمكِ..؟!
لم يكن أمامنا حينها سوى أن ننفجرَ ضاحكينَ ببلاهةِ الأطفال ليضيف أخي الذي كان أشقانا قائلا :..
يالها من عجوزٍ ..!! تعرف أنّها ابنتُها ..لكنها تجهلُ اِسْمها.. !!
ومرت الأيام ..واندلقتْ كأسُ الشهور ببئر السنين، وانهمرتْ أمطار الغياب مترقرقةً لتهيم على حدّها مراكبُ الأنْسِ ..والوصَال ..مركبا فآخر .. توفيتْ جدتي، وتوفيتْ أمي رحمهُما الله، وامتلأت قلوبُنا بالهُموم لأجدَني أقعُ في نفسِ المطبّات...
حيث صرتُ أنادي كل أبنائي حتى أصلَ الاسم الذي أريدُه ..
وذات حنينٍ لماض تولىَّ، وانبرى ــــــــــ وبقي بعض شميمه يُبللُ أيامنا كقطراتِ ماءٍ ثرّة ــــــــــ كنتُ في زيارةٍ إلى بيت أخي الشّقي ذلك، وفي خِضمِّ مُناوشاتِ الأطفالِ، ومؤامراتِهمْ البريئة ..وجدتُـني أنادي إحْـــــدى بناتي وأقول لها ما اسْمك .؟؟
كانتْ تضحكُ كما كنتُ أفعلُ أنا من ذي قبل ..
ثم أُعيدُ ما اسمُك ..؟؟ إلى أنْ تملَّكني شوطٌ لابأسَ به منَ الغَضب ما صحوتُ منه إلا على صوتِ أخي وهْو يقول :..
ألمْ تجدي شيئا ترِثينَه سوى جنونِ جدتِك ..؟
وكم صرتُ أشعرُ ــــــــــــ بعدها ـــــــــــــ بالانتماءِ إلى ذلك الجنون الأشمّ ..
لأن عظائمَ الأمورِ تُولد من لحظةِ جنونٍ بحتة ..
فجدتي لم يُصادف يوما أن نسيتْ بيتَها، أو صلاتها ..وفي خِــــضم سؤالها الغريب لأمي لم تنسَ بأنها ابنتها.. !!
إذْ لم تكن لتغفلَ عن اللبِ بقدر غفلتِها عن القشور.. لأن العابر بالنسبة إليها لا يمكنه أن يترك توقيعا بذاكرتِها كذاك الذي يتركه مكانُ العبور، لتشعرَ بالانتماء إلى القائم بذاته دائما.. نافرة من الـــــذي يحتاجُ لذاتٍ أخرى حتى يُظهر طولَ قامتهِ على حـَـدّ تعرُّجاتها..
فكم هي غريبةٌ موازينُ الحياة .. !! نتهم الآخرين بجنون نلبسه ثوبا ولا نشعر بضيقه؛ لنتوه داخل دائرة مغلقة ولا ننتبه لجراح سنبقى نجهل مدى عمقها إلى أن تبتلعنا عنوةً، ونحن نتنكر لكل دربٍ يقودنا منتهاهُ إلى حقيقة مطلقة يحسدنا العقلاءُ على تفيؤ ظلالها روضةً ما أنقى صفاءها ونحن نستأنسُ بها زفرةَ بوحٍ كم افتقدوها على مشارفِ ضياع أبدي تفصلـُنا عنه لحظةُ صدقٍ هاربةٍ من دفاتر كذبهم..
فبعضُ الحقائق كثيرا ما تكون موجعةً حدّ الموت في زمنٍ طغتْ عليه الكذبةُ الساخنةُ، تماما كالوجبةِ السريعةِ التي يحاولُ المرء أن يُسكن بها جوعَه المؤجل، ولا يشعرُ بعدَها بالشبع ــــ أبدا ـــ قدرَ شعوره بجوع آخر أشدُّ ضراوةً ما كانتْ تلك الوجبة إلا طـُـعمًا له..
فما أرفعَ الخيوط الفاصلة بين برد ِحقيقتِنا، ودفءِ كذباتِنا السّاخنة الــــــنُهدهد بها جراحًا لا يمكن لها أن تطيب..

تعوجُ بي الذكرى دائما إلى جدّتي التي لم تكن فيلسوفةً، ولا حتى متعلمةً.. وبالكادِ كانت تحفظ بعضَ الآيات القرآنية البسيطة لتؤدي بها صلاتَها ..لكنها كانت خرزات عقلٍ مرصوفة بخيط رفيع من خيوطِ الجنونِ المحلقة كالحمائم البيضاءِ برحب الأفق.

من مجموعة "الخيط الرفيع"
avatar
رشيد بوكراع
Admin
Admin

المساهمات : 445
تاريخ التسجيل : 29/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى